ماذا تعنى إسماعيل إيه إكس؟


هناك ضرورة وفرصة أمام العرب الآن يجب عليهم اقتناصها. الفرصة هى العمل على محو تهمة الإرهاب التى ألصقتها إدارة الرئيس الأمريكى بوش بالعرب والمسلمين. فالكونجرس الأمريكى ضغط على بوش لتحسين الوضع فى العراق قبل أن يغادر الحكم. تأتى تلك المحاولات قبل انتهاء ولاية بوش العام المقبل مصحوبة بنقد داخلى لا يهدأ. والذى كان آخره ما أعلنه الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر من أن إدارة بوش هى الأسوء فى تاريخ أمريكا. صحيح أن كارتر تراجع عن تصريحاته فيما بعد لكن السهم انطلق ولا يمكن أن يرتد. وأيا كان الرئيس القادم فى الولايات المتحدة فإنه سيحاول إصلاح صورة الولايات المتحدة. لكن ماذا عن صورة العرب؟

لماذا الآن؟ أولا لأن هناك مناخ سياسى متاح، وثانيا لتصحيح صورة العالم العربى والإسلامى أمام الرأى العام الغربى. وخير مثال على ضرورة ذلك أن الرأى العام الأمريكى اتهم المسلمين فى حادثة قتل محلية وقعت فى منتصف إبريل الماضى. واضطرت وسائل الإعلام، وربما للمرة الأولى، أن تخضع لتأثير مئات الملايين على الإنترنت وأصبحت تطرح نفس تساؤلاتهم .. غير المنطقية.

قصة الشاب "تشو سيونج هوى" لمن لم يقرأها أنه كان يدرس مادة الأدب الإنجليزى بجامعة فيرجينيا التى ارتكب فيها حادثة قتل جماعى. بإحدى غرف المدينة الجامعية قتل أول اثنين ثم خرج وانتظر قليلا وأرسل رسائل بالبريد. بعد ذلك مشى لمسافة نصف ميل ودخل إحدى القاعات وأغلق بابها من الداخل وأطلق النار على من فيها ثم انتحر. تسببت الحادثة فى مصرع 35 وإصابة 15 ووصلت الشرطة لمكان الجريمة بعد نصف ساعة من وقوعها.

فى التحقيقات الأولية قال الجميع أنه كان انطوائيا يحدث صديقا وهميا وعرض من قبل على طبيب نفسى. وقالت أسرته أنه كان يعانى من مرض التوحد وأن أسرته عانت كثيرا فى تربيته. واتضح لاحقا أن البريد الذى أرسله كان طردا يحتوى على خطابات وشرائط الفيديو لمحطة إن بى سى الأمريكية. أذاعت المحطة الشريط الذى عبر فيه عن كراهية مقيتة للأغنياء ورجال الدين المسيحيين. وقال أنه لن ينسحب وسيفعل ذلك من أجل أبنائه وإخوته وأهله. سلمت المحطة الشريط بعد ذلك كدليل لأن محتواه يدل على أن تلقى مساعدة فى إعداده لأنه تعرض لمونتاج متقدم.

كشفت صحيفة هيرالد تريبيون بعد ذلك أن الشرطة وجدت مكتوبا على ذراع تشو سيونج هوى "إسماعيل إيه إكس" .. وهنا تبدأ القصة التجول ما بين الغريب والأغرب فى تفاعلات القراء على الإنترنت مع الحادثة الأسوء فى تاريخ التعليم بأمريكا.

الغريب أن بعض أبنائنا فى الخارج اتهم الإعلام العربى بأنه متخلف لأنه سلط الضوء على الحادثة التى بثتها وكالات الأنباء ونشرت شرقا وغربا! وقالوا إن نشرها يبدو أنه شماتة فى أمريكا .. وتبرأوا من الإرهاب! بغض النظر عن آرائهم على موقع جريدة الشرق الأوسط إلا أن أمرهم كان سهلا. فقد علق قارىء "هل لو كان هذا الشاب عربيا هل كان الإعلام الغربى سيتردد لحظة فى وصفه بأنه إرهابى؟".

أما بخصوص عبارة "إسماعيل إيه إكسفبمجرد إذاعة هذا الدليل رصدت جريدة شيكاغو تريبيون 30 مدونة قدمت تفسيرا لهذه الكلمة على الفور. وفى غضون أربع ساعات ارتفع العدد إلى 202. وبعد أيام قليلة تحولت العبارة إلى الموضوع الأكثر شيوعا فى البحث والمشاركة على مستوى 7 ملايين مدونة. ولو فرضنا أن المدونة يشترك فيها 200 شخص فقط فمعنى ذلك أن 1400 مليون شخص تابعوا القصة بالقراءة أو التعليق. تابعت الصحيفة رصد نشاط المدونات عن طريق اتصالاها بشركة لقواعد البيانات واستطاعت بالرجوع لشركة أخرى أن تعرف أن موقعها على الإنترنت اجتذب 524 ألف زائر لصفحة الجريمة فى يوم واحد.. وخلال ساعة الذروة!

خلاصة البحث الذى توصل إليه الجميع تقريبا أن الكلمة إسلامية. وأنها تشير إلى إبن إبراهيم (عليهما السلام) الذى وافق على التضحية بنفسه ليرضى ربه. أو أنها تشير إلى إسماعيل الأول مؤسس الدولية الصفوية فى إيران. وتجاهل المشاركون أى تفسير آخر حاول الإعلام التوصل إليه. مثل أن الطالب كان يدرس الأدب وربما تكون عبارة "إسماعيل إيه إكس" اسما مستعارا لكاتب أو مجموعة حروف تمثل مجموعة من الكتاب. وأصروا على ربط الكلمة بالعرب والمسلمين ووضعوهم فى إطارالمتشككين الانطوائيين الإرهابيين ..إلخ. وبثت قناة إن بى سى بعد هذا الحكم من جمهور الإنترنت حلقة اختتمتها بـ "إننا فى انتظار توضيح التحقيقات لمعنى هذه الكلمة".

انتهت التحقيقات الأسبوع الماضى وتوصلت إلى أن الطالب المختل نفسيا كان يتعاطى عقار بروزاك. وأحد الأعراض الجانبية للعقار، وهى نادرة الحدوث، أن متعاطيه قد لا يميز بين الحقيقة والأحلام التى تحدث خلال النوم.

"أمريكا هى أكثر البلاد التى ذهبت إليها شعورا بالوحدة" عبارة للقديسة تريزا اقتبسها أحد المشاركين. وانطلق منها إلى أن الشاب اختل نفسيا من المجتمع الأمريكى الذى تعانى فيه الأقليات من التمييز العنصرى والسخرية والتحقير. وانتقد تقصير السلطات التعليمية فى مراقبة سلوك الطلاب النفسى فى الجامعة ومساعدتهم.

أما الأغرب فكان إلقاء اليمين المتطرف الأمريكى باللوم على عدة جبهات من بينها التنوع العرقى فى أمريكا والسماح بهجرة غير البيض. لكنه اتهم أيضا الموساد والحكومة الإسرائيلية "بهندسة" هذه المذبحة. أذيعت هذه الرسالة على محطات الإذاعة والتليفزيون ومواقع الإنترنت الخاصة بالنازيين الجدد.

كما نشر موقعا "فورا" و"ستورم فرونت" على سبيل المثال: "إن يهود الإعلام يشعرون بأن لديهم مسئولية أخلاقية تجاه الكذب على الشعب الأمريكى. "مصاصوا الدماء القذرون هؤلاء يشقون طريقهم كالدود ليستفيدوا من هذا الموقف." "إن الحكومة الأمريكية التى تقع تحت الاحتلال الصهيونى حكومة ليست من العرب أو الفرس ولكن من اليهود". "ولا توجد مقاومة شعبية لهؤلاء القتلة الذين يهودون المجتمع."

هذا ليس أسوء ما قاله تيار يمينى متطرف يتنامى فى الولايات المتحدة ويهاجم الأقليات وكل ما ليس على الطريقة الأمريكية. فقد تجرأ بيل وايت أحد مشاهير هذا التيار وقال عن أستاذ يهودى قتل فى الحادثة :"إنه لا يوجد ما يسمى بالهولوكوست. وإذا كان هناك شىء جيد فى عملية القتل هذه فهو أن ليبيرسكو مات ليتوقف عن رواية أكاذيبه".

استهدف كل هذا اللعان عدم إلقاء الإعلام باللوم فورا على المهاجرين. وأيضا هجمة استباقية لعدم الحديث عن فرض مزيد من القيود على حرية امتلاك السلاح. لأن هذا سيؤثر على الميليشيات التى يشكلها هذا التيار فى جميع الولايات الأمريكية. والتى تجوب الحدود لتقتل المتسللين غير الشرعيين الذين تسميهم "حقائب القاذورات"، لأنها قامت حسب زعمهم بعدوى المجتمع بالعنف.

المهم أن هذا اليمين المتطرف كان من قبل وراء عملية تفجير مبنى فيدرالى بمدينة أوكلاهوما فى عام 1995. وأسفرت العملية عن مقتل 168 شخصا وإصابة 800 آخرين. وظلت حتى أحداث 11 سبتمبر أكبر عملية إرهابية على الإراضى الأمريكية. وبالتحقيق مع منفذيها تيموثى مكافاى وتيرى نيكولاس تبين أنهما متعاطفين مع الميليشيات الخاصة التى يشكلها هذا التيار وضد تضييق الحكومة الأمريكية عليها.

يجب على الإعلام العربى والمصرى خاصة أن يستيقظ الآن ويوقظ قراءه إلى أن الإرهاب ليس له صلة بالإسلام أو العروبة. يقول المفكر الإسلامى أحمد شعبان أن الإرهاب كلمة ذكرت فى القرآن كفعل استاتيكى وليس ديناميكى. بمعنى الاستعداد بأقصى أسباب القوة لإخافة أحد من الاعتداء عليك. وهو أمر واجب التنفيذ ولا يجيز الاعتداء على أحد. وأضاف أن التوصيف المستخدم إعلاميا يسبب ارتباكا فكريا. والمفترض أن نقول أن فلانا ما أو جهة ما قاتلت أو اعتدت على فلان أو جهة كذا لأسباب لها ما يبررها أو ما لا يبررها.

أيا كانت قناعات الرأى العام الغربى تجاه نتيجة التحقيق لكن الحادثة توضح ضرورة ارتباط تصحيح الولايات المتحدة لصورتها بتصحيح صورتنا!

مصطفى على درويش

















0 comments: