الفرق بين رأس المال الذكى ورأس المال الغبى

فى بداية السبعينيات بدأ أستاذ الاقتصاد جون كاو بالبحث فى ظاهرة الإبداع الاقتصادى. وبعد مرور عشرة أعوان وتحديدا فى عام 1983 ألقى أولى محاضراته عن الإبداع بكلية الاقتصاد بجامعة هارفرد. بعد مرور عامين على أول محاضرة تقدم 2000 دارس من طلاب السنة الثانية لماجستير إدارة الأعمال للتسجيل فى محاضراته. اجتذبت ندوات كاو بعد ذلك مديرى أكبر الشركات بالولايات المتحدة مثل "إيه تى آند تى" و"ميريل لينش".

لم يعد الحديث مع المديرين عن الإبداع خارج مصر حديثا عن غير الملموس أو عن مسألة متقلبة مثل الطقس، فقد تمطر أو لا تمطر. لكن عن علم يدرس ويعمل به وتسبب منذ سنوات عديدة فى استحداث منصب مدير الإبداع. ما يفعله هذا المدير هو مجموع الخطوات التى تولد أفكارا جديدة يتم تطويرها ثم تحويلها إلى قيمة ملموسة. وإذا لم تتحول الأفكار الجديدة إلى واقع فلا إبداع ولا مدير لما لم يحدث.

الإبداع كاللغة، له النحو والصرف الخاص به. المبتدأ هو المعرفة فى صورتها الخام من بيانات ومعلومات غير مترابطة، والخبر هو رؤية لحقيقة ما فى هذه المعلومات. على سبيل المثال قامت الهند منذ سنوات بدراسة سوق البرمجيات الدولى وجمع البيانات اللازمة "المبتدأ". واستخلصت أن العالم سيعانى فى غضون سنوات قليلة من نقص فى أعداد مبرمجى لغة الفورتران "الخبر". تسفر المعلومة الجديدة مع قليل من مزيج الخيال والطموح عن تساؤل. ما الذى نستطيع فعله حيال هذا؟ هنا يأتى دور الإبداع، وهو القدرة على تحويل شكل من أشكال المعرفة إلى الشكل التالى له.

أما "الفعل" هو ما قامت به الهند من تنفيذ برنامج قومى لتخريج بضعة آلاف من المبرمجين الأكفاء المتخصصين فى لغة الفورتران. والفاعل هو الحكومة الهندية التى استطاعت أن تجد لمبرمجيها الشباب مكانا فى أسواق العمل الدولية. "والمفعول به" هو تصدير المبرمجين بعيدا.. لأوروبا .. وبعيدا جدا .. للولايات المتحدة. ولأن الإبداع الاقتصادى الآن علم فقد ترتب على هذه الحقيقة تنصيف رأس المال إلى نوعين إبداعى وتقليدى. وعند بيع أو شراء الشركات توضع الأصول الإبداعية للشركة فى حساب الصفقة.

بعد اكتساب شهرة وثقة الأوساط المعلوماتية فى الغرب تولد موقف جديد. ونجحت برامج القطاع الخاص الهندى منذ عدة سنوات فى السيطرة على البورصة الأمريكية. الأمثلة الهندية والصينية ودول النمور الخمسة عديدة جدا.

فى مصرلا توجد لدينا محاضرات عن تطبيق الإبداع ولا عن السلوكيات المضادة له! ما عدا ركوب عربات مترو الأنفاق من جميع الأبواب والنزول من جميع الأبواب فى تدافع كهروب القطعان. فهو عملية تجعلك تفكر بإبداع فى التخلص من جميع الركاب. وكل المبررات معدة سلفا لدى للحديث عن مشاكل العملية الإبداعية. لكن الحقيقة إن مصر ليس لديها أى عذر! هل معوقات الإنجاز لدينا مثل التى كانت لدى الصين؟ هل هى مثل مشاكل الهند التى بدأت بعد الصين؟ ليست المشكلة فى الحكومة بل هى فى ملعب القطاع الخاص الآن. إذا لماذا لم يتحرك بعد؟ ما هى أولويات القطاع الخاص المصرى؟ ما هى طموحاته؟ ما هو استراتيجيته أو دوره الاجتماعى؟

أنظر حولك، لا على أعداد السكان ولكن على كيفية أدائهم. قامت الصين ببحث حالة المرضى خارج حدودها فاكتشفت أن المرضى على قوائم الانتظار لإجراء عمليات القلب وعمليات أخرى طويل جدا. وقد يصل لأعوام فى بعض مناطق أوروبا. فقامت بإنشاء مستشفيات فاخرة بمناطق سياحية لاستقبال المرضى الذين على قوائم الانتظار وإجراء العمليات لهم. وقبل وبعد العملية يتضمن البرنامج العلاجى نزهات سياحية وبأقل من نصف الثمن الذى سيدفعونه فى أوروبا أو أمريكا. وكذلك فعلت بالنسبة لعمليات التجميل التى أصبحت تجتذب اليابانيات الآن! من الواضح طبعا أن هذا أفضل من القرى السياحية ألف مرة.

ولأن المنافسة لا ترحم، قامت إحدى الشركات الأمريكية باختراع ورق تختفى الطباعة عليه خلال 12 ساعة ليعاد استخدامه مرة أخرى. لأنها لا تكف عن السؤال عملائها عما يرضيهم. فقالوا إن نفقات الورق الذى يستخدم لمرة واحدة مزعجة. فلم تقل لهم الشركة أن الورق المطبوع لا يرد ولا يستبدل.

فى الهند اختفت عديد من الأدوات المنزلية التى تعمل بالكهرباء وحل محلها أخرى تعمل يدويا وبشكل مريح، مثل الخلاط لتوفير الكهرباء! وفى برنامج أوبرا الشهير الذى يذاع على الفضائيات أعلنت مذيعته الشهيرة عن مسابقة تحت عنوان "فكرة كبير". وتنافس 6000 شخص على المنتج الذى ستشتريه أكبر قناة تروج لمنتجات ذات أفكار جديدة. وفازت بالمركز الأول امرأة هندية ستربح الكثير من فكرة كان السبب فيها أنها تريد أن تعد لزوجها طبقا حسن الشكل.

أما عندنا فلا توجد قناة واحدة لا مصرية ولا عربية تشترى وتصنع وتروج لمنتجات يبتكرها الشباب. بينما كان مشروع التخرج لطالب بجامعة ماساتشوستس هو فكرة إنشاء شركة خاصة لتوصيل البريد بشكل أسرع مقابل المزيد من الرسوم. بعد التخرج طاف الشاب عارضا لفكرته. ورغم أن كثيرين سخروا منها إلا أن مديرا بإحدى الشركات قال إنها تبدو مشروعا جيدا. ثم ولدت الفكرة فريدة وصغيرة، مجرد شركة على نطاق ولاية أمريكية واحدة. إلا أنها نمت بسرعة خرافية محليا ودوليا حتى قلدها الآخرون على مستوى العالم.

الفرق بين مفهوم الإبداع عندنا وخارج أوطاننا أنك يجب أن تكون أحمد شوقى أو حسن فتحى. ولأن هذه طفرات، فالإبداع هناك أن تقوم بحل المشاكل بفكرة جديدة وليس من الضرورى على الإطلاق أن تكون عبقرية. لذلك يندهش من يسافر للخارج من الإطراء الذى يسمعه على فكرة جديدة تبدو له عادية. وذلك ببساطة لأن من عمليات الإبداع ما يسمى بــ "الثناء الواجب". وهى ثقافة ليست موجودة عندنا. وإحدى أهم المبادىء التى يعلمها جون كاو للقطاع الخاص أنه لا جدوى من كثرة الحديث عن القدرة الإبداعية مع الاحتفاظ داخل مؤسستك بعمليات تقتل الروح والخيال. والثانية أنه لابد من المبادرة والمخاطرة التى هى أيضا جزء من الإبداع، لأنه إما أن تكون مبدعا أو سيأكلها الآخرون حيا.

عمليات الإبداع المقننة تمتزج فيها أطراف وأدوات عديدة. لكن خطواتها تتطلب من رأس المال المصرى أن يحدد آليات للإبداع. وأن يعرف أن الإبداع ليست مسألة لتصفية الحسابات أو إلقاء اللوم على شخص محدد. لأنه عملية، فى الخارج، جماعية ضمن فرق عمل منظمة كل شخص له دوره فيها. وأن كل من الإبداع الفردى والجماعى مطلوب ولكل منهما مجاله.

الصفحة الأولى للجمهورية تواظب النشر باستمرار عن مبتكرين يقدمون حلولا لمشاكل إذا تم تطبيقها يمكن التربح منها. فهل أقدمت شركة واحدة على تبنى أى حل للتربح ولعلاج أى وضع. أحد أسباب نجاح رأس المال أنه يخاطب احتياجات الوطن. لا أن يخاطبه الناس على أنه مانح للدخل! بينما فى الخريف المقبل سيلتقى وزير الاقتصاد الألمانى برجال المال والأعمال ليناقشهم فى المسئوليات الاجتماعية التى يجب أن تضطلع شركاتهم بها، بعد أن التقى أولا بممثلى النقابات والجمعيات الألمانية. وقال شهر الماضى أنه يفكر فى وضع ملصق على منتجات الشركات التى ستضطلع بدور اجتماعى. المطلوب من مجتمع الأعمال المصرى أن يحدد لنا كيف سنتوقف عن تصدير أفضل وأغنى رمال العالم بالسيليكون من سيناء وإعادة استيرادها مرة أخرى فى صور مختلفة من أقراص صلبة وأقراص ضوئية ..إلخ. أو بالأحرى كيف سنصنع أول جهاز كمبيوتر بالكامل. أو كيف سنغزو الفضاء أو نتنقل بعربات تسير بالطاقة الشمسية. مطلوب من رأس المال المصرى أن يقول لنا الكثير.

مصطفى على درويش

ali_mustafa@hotmail.com

0 comments: